عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

377

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

وقد كانت هذه الأموال التي تجبى من الاسرى تنفق في سبيل اللّه ، وبلغ ما أطلقه ووهبه مدة مقامة على عكا مرابطا للفرنج من شهر رجب سنة 0585 ه إلى يوم انفصاله عنها في شعبان سنة ثمان وثمانين فكان اثنى عشر ألف رأس من الخيل العراب ، والأكاديش الجياد ، للحاضرين معه للجهاد ، غير ما أطلقه من الأموال . ولم يكن صلاح الدين ليستأثر بشيء من أموال الرعية ، كما كان يفعل الخلفاء الفاطميون قبله ، فقد قال العماد الكاتب فيه : « لم يكه له فرس يركب إلّا وهو موهوب ولا جاءه قود الّا وهو مطلوب ، وما كان يلبس الا ما يحل لبسه كالكتان والصوف ، وكانت مجالسه منزهة عن الهزاء والهزل « 1 » » ، وكان يكره الترف والبذخ وينهي عنه ، ففي حين ضبط في خزائن الفاطميين الدوى الفاخر من الذهب والفضة إلى جانب حقق العطر ، وأواني وأدوات الطعام النادرة من سكاكين مذهبة وكؤوس منقوشة و . . . . فإننا نجد صلاح الدين في دولة الأيوبين ينهى العماد الاصفهاني عن استعمال دواة محلاة بفضة ، وينكر عليه ذلك ، مما يضطر العماد أن لا يعود لاستعمالها فقال « ورأى معي دواة محلاة بفضة فأنكر علي ذلك قال : ما هذا ؟ فلم أكتب بها عنده بعدها « 2 » » . الزهد والإعراض عن اللهو والترف : وهكذا تقمص الأيوبيون بقميص الجد والاجتهاد ، وأعرضوا عن الترف وأسباب اللهو والمجون « 3 » فامتنعوا عن شرب الخمر التي أسرف في شربها الفاطميون ولا سيما في أعيادهم والتي وصل بعضها درجة الفسق والفجور ، فألغيت هذه الأعياد واكتفي بالضروري منها ، واقتصد الأيوبيون في كثير جدا من مظاهرها كما جعلوا لبعضها الآخر معنى غير الذي جعله الفاطميون له ، فأبطلوا كثيرا من عادات العامة في الأعياد الرسمية ولقي الأمراء الأيوبيون في سبيل ذلك عناء ومشقة . لذلك ألغي الاحتفال بعيد النيروز وما كان يجري فيه من فسق وتهتك . يقول القاضي الفاضل في حوادث سنة 0584 ه في حديثه عن عيد النيروز : « وقد كان بمصر في الأيام الماضية ، والدولة الخالية - يعني دولة الفاطميين - من مواسم

--> ( 1 ) الفتح القسي : للعماد الاصفهاني ص : 656 وما بعدها . ( 2 ) النجوم الزاهرة : ج 6 ، ص 9 ، ط : دار الكتب المصرية . ( 3 ) انظر النوادر السلطانية لابن شداد : المقدمة ص 26 ، وص 17 ، وص 50 .